محمد متولي الشعراوي

4436

تفسير الشعراوى

عن مثل هذه الحركة . ولذلك نقول : إن الإنسان في أفعاله الاختيارية يحتاج إلى أمرين : الأول إن كان ساكنا عن فعل الخير نأت له بقوة تحركه إلى هذا الخير ، وإن كان متحركا إلى الشر نأت له بقوة توقفه عنه ، وهذا هو ما يقدمه المنهج الإيمانى في « افعل » ، و « لا تفعل » . فمن يتراخى عن الصلاة وسكن عنها نقول له صلّ . ومن يذهب للقمار ويتحرك إليه لا يمكن أن يقف إلا إذا جاءت له قوة توقفه عن ذلك وتمنعه ، إذن فالقوة الشرعية تكون في المنهج ب « افعل » ليحرك الساكن ، و « لا تفعل » ليقف المتحرك شريطة أن يكون كل من السكون والحركة في ضوء المنهج . ولنعرف أن الله سبحانه وتعالى يسخر لنا الكافرين ليبينوا لنا المستغلق علينا في قوانين الكون ، فقد اكتشفوا قوانين القوة المادية وفهمناها نحن في إطار الماديات والمعنويات ، وليس اكتشاف الكافرين للقوانين في الكون مدعاة للكسل والاعتماد عليهم ، بل علينا أن نشحذ الهمم لنتقدم في العلم الذي يسير أمور الحياة ، ولنعلم أنه لا شئ ينشئ فينا فطرة جديدة ؛ لأن البشر من قديم مفطورون على الفطرة السليمة التي تلفتهم إلى أن لهذا العالم صانعا ، فكل ذراتنا وكل اتجاهاتنا تؤكد لنا وجود إله واحد . بل إن الفلاسفة حينما بحثوا وراء المادة تأكد لهم ذلك ، وأغلب الفلاسفة كانوا غير مؤمنين ، وهم ببحثهم وراء المادة إنما يبحثون عن الخالق الأعظم ؛ لأن الإنسان لا يبحث عن شئ لا يظن وجوده . ولأنهم جميعا يعلمون أن الإنسان طرأ على كون ، وهذا الكون مقام بهندسة حكيمة ، ومخلوق بقوة لا تستطيع قوى البشر جميعا أن تأتى بمثلها ، إذن لا بد لهذا الكون من خالق . لقد بيّنا أن القوانين التي تظهر لنا في المادة تتماثل مع قوانين القيم ، إلا أن الناس يتهافتون على قانون المادة لأنها تحقق لهم خيرا أو تدفع عنهم شرا ، فيأخذون ما ينفعهم ويدعون ويتركون ما يضرهم ، ولذلك احتاج الإنسان إلى منهج من السماء ليوضح ويبين له قوانين القيم التي تحقق له السعادة العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة ، أما قوانين المادة في الأرض فتركها الله لنشاط العقل ، حتى الذين لا يؤمنون بالله يذهبون إلى قوانين المادة ويصنعونها ، ويتهربون من قوانين القيم لأنها تحد من شهوات النفس ، وتتعب بمشقة التكليف ، فشاء الحق